عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

519

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وقد بلَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالات ربه ، وعلَّم أمته مناسكهم وعباداتهم ، وتركهم عَلَى البيضاء ، ليلها كنهارها ، ولم يبق له من الدُّنْيَا حاجة ، فحينئذ تهيأ للنَّقلة إِلَى الآخرة ؛ فإنها خير له من الأولى ، ولهذا نزلت : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . } ( 1 ) بعرفة . وعلَّم الأمة مناسكهم ، وقال لهم : " لعلي لا أراكم بعد عامي هذا " ( 2 ) . وقال لهم : " هل بلغت ؟ قالوا : نعم " ، وأشهد الله عليهم بذلك وودَّع النَّاس ، فقالوا : هذه حجة الوداع ( 3 ) . وقد خيَّر - صلى الله عليه وسلم - بين الدُّنْيَا وبين لقاء ربه ، فكان آخر ما سُمع منه : " اللهم الرفيق الأعلى " ( 4 ) . ونظير هذا الفهم الَّذِي فهمه عمر من هذه السورة ما فهمه أبو بكر من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته : " إِنَّ عبدًا خير بين الدُّنْيَا وبين لقاء ربه ، فاختار لقاء ربه " ( 5 ) وقد سبق من حديث ابن عباس ما يدل عَلَى ذلك . وفي " صحيح البخاري " ( 6 ) من حديث سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ ، فَقَالَ : لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ ؟ ! فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ . فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ ، فَمَا رأيتُ أَنَّهُ دَعَانِي فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ } ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا جَاءَ نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا ، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، فَقَالَ لِي : أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ فَقُلْتُ : لاَ .

--> ( 1 ) المائدة : 3 . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 1297 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 4406 ) ، ومسلم ( 1679 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 5674 ، 5743 ، 5750 ) ، ومسلم ( 2191 ) . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 3904 ) ، ومسلم ( 2382 ) . ( 6 ) برقم ( 4970 ) .